Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Post Type Selectors
doctors
Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Post Type Selectors
doctors
امرأة تقرأ تحت الأشجار وتنظر إلى الأمام بابتسامة هادئة
الرفاه اليوميENالعربية

حين تفتح الحياة صفحةً جديدة: كيف يلتقي دماغك بالمجهول

وظيفةٌ جديدة، أو انتقالٌ إلى مدينةٍ مختلفة، أو تغييرٌ لم نختره. كلّما دخل شيءٌ جديد إلى حياتنا، كثيرًا ما نشعر بلمحةٍ من القلق قبل حدوث أيّ خطأ. يتسارع نبض القلب، وتتزاحم الأفكار، ويهمس صوتٌ خفيّ: «هل أنت متأكّد من هذا؟». إذا كان هذا الشعور مألوفًا لديك، فلا خطب فيك؛ بل إنّ دماغك يفعل تمامًا ما صُمّم للقيام به.

إنّ فهم ما يجري في داخلنا حين تتغيّر الحياة قادرٌ على أن يحوّل ذلك القلق إلى شعورٍ أكثر لطفًا، وهنا تصبح اليقظة الذهنية حليفًا هادئًا لنا.

ردّة فعل دماغك الأولى تجاه الجديد

في أعماق الدماغ تقع منطقةٌ صغيرة تُشبه حبّة اللوز تُسمّى اللوزة الدماغية. من مهامّها أن تمسح كلّ ما هو غير مألوف وتطرح سؤالًا قديمًا جدًّا: هل هذا آمن؟ تُظهر الأبحاث أنّ اللوزة الدماغية تستجيب بقوّةٍ للجديد وعدم اليقين، إذ تتعامل مع المجهول باعتباره شيئًا يحتاج إلى فحصٍ تحسّبًا لخطرٍ محتمل. ولأنّ كلّ موقفٍ جديد يكون بطبيعته غير مؤكّد، فإنّه قد يُطلق الإنذار ذاته، حتّى حين نكون في أمانٍ تام.

لهذا قد يبدو التغيير غير مريحٍ قبل أن يصبح مثيرًا. دماغك ليس مُعطّلًا ولا مبالِغًا في ردّ فعله، بل يحميك، تمامًا كما حمى أجدادنا منذ زمنٍ بعيد. القلق ليس علامةً على وجود خطأ، بل علامةٌ على أنّ عقلك منتبهٌ ويقظ.

الحقيقة الجميلة: دماغك قادرٌ على النموّ

وهنا يأتي الجزء المُفعم بالأمل. فالدماغ نفسه الذي يحذر من الجديد مُهيّأٌ أيضًا للتكيّف معه. يُسمّي العلماء هذا «المرونة العصبية»؛ أي قدرة الدماغ المذهلة على إعادة تنظيم نفسه عبر تكوين روابط عصبية جديدة وتقويتها استجابةً للخبرة. لطالما ساد الاعتقاد بأنّ ذلك يحدث في الطفولة فقط، لكنّنا نعرف اليوم أنّ الدماغ يظلّ يتغيّر طوال حياتنا.

في كلّ مرّةٍ تتعلّم فيها شيئًا جديدًا، أو تتدرّب على مهارة، أو تواجه موقفًا غير مألوف، يُعيد دماغك في صمتٍ تشكيل روابطه ليلتقي بها. بمعنًى آخر، فإنّ انزعاج الجديد ليس نهاية القصّة، بل بدايةَ النموّ. وما يبدو صعبًا اليوم هو دماغك في خضمّ بناء شيءٍ أقوى.

سلوكان لطيفان يساعداننا على ملاقاة التغيير

إذا كان الدماغ يُطلق إنذارًا بطبيعته تجاه المجهول، فكيف نعمل معه بدلًا من أن نعمل ضدّه؟ هنا يصبح سلوكان من سلوكيّات اليقظة الذهنية رفيقَين قويَّين: التقبّل وعدم إصدار الأحكام.

  • التقبّل. التقبّل لا يعني الاستسلام، ولا الرضا عمّا يحدث، ولا التظاهر بأنّ كلّ شيءٍ على ما يُرام. إنّه ببساطة يعني أن نسمح لهذه اللحظة بأن تكون كما هي بالفعل، بدلًا من مقاومة الواقع. حين يصل التغيير ونشعر بتلك الرعشة من الخوف، يقول التقبّل: «هذا موجودٌ الآن. لستُ مضطرًّا لأن أحبّه، لكن يمكنني أن أتوقّف عن الصراع معه.» هذا التحوّل الصغير يُخفّف من إنذار الجسد، ويحرّر طاقةً كنّا سنُنفقها في المقاومة. فبدلًا من أن نُنهك أنفسنا في تمنّي أن تكون الأمور مختلفة، نلتقي بما هو كائن، ومن هناك نستطيع أن نستجيب بحكمة.
  • عدم إصدار الأحكام. عدم إصدار الأحكام يعني أن نلاحظ تجربتنا من دون أن نصنّفها جيّدةً أو سيّئة، صوابًا أو خطأً. حين يُثير شيءٌ جديد القلق في داخلنا، تكون غريزتنا الأولى غالبًا أن نحكم على أنفسنا: «ينبغي ألّا أشعر بهذا. لماذا أنا ضعيفٌ إلى هذا الحدّ؟» لكنّ هذا الحكم يُضيف طبقةً ثانية من المعاناة فوق الأولى. أمّا عدم إصدار الأحكام فيدعونا ببساطةٍ إلى أن نلاحظ: «ها هو التوتّر»، من دون أن نحوّله إلى حُكمٍ على هُويّتنا. وحين نتوقّف عن الحكم على ردود أفعالنا، تفقد الكثير من سطوتها، فنتمكّن من النظر إلى موقفنا بعينٍ أوضح وأكثر لطفًا.

أن نلتقي بالجديد بعينٍ أرقّ

في المرّة القادمة التي تفتح فيها الحياة صفحةً جديدة وتشعر بذلك القلق المألوف، تذكّر ما يحدث حقًّا. فلوزتك الدماغية تؤدّي مهمّتها القديمة في حمايتك. ودماغك بدأ فعلًا في التكيّف، يبني مساراتٍ جديدة تساعدك على أن تجد طريقك. وأنت تملك سلوكَين هادئَين يجعلان الرحلة أكثر لطفًا: التقبّل الذي يدع اللحظة تكون كما هي، وعدم إصدار الأحكام الذي يجعلك تلتقي بنفسك برحمة.

سيحمل التغيير دائمًا قليلًا من الانزعاج؛ فذلك ببساطةٍ هو إحساس النموّ وهو يتحرّك. لكن بالوعي وهذين السلوكَين اليقظَين، يصبح المجهول أقلّ شيئًا نخافه، وأكثر شيئًا نلتقي به، نفَسًا تلو الآخر.

هل وجدت هذا المقال مفيدا؟ أضف إعجابا.

شاركنا الحديث

اترك تعليقا